الشنقيطي

415

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وقول الآخر : أصمّ عن الأمر الذي لا أريده * وأسمع خلق اللّه حين أريد وقول الآخر : قل ما بدا لك من زور ومن كذب * حلمي أصمّ وأذني غير صماء ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه . وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه ، والرؤية التي لا فائدة فيها . الوجه الثالث - أنّ اللّه إذا قال لهم : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) [ المؤمنون : 108 ] وقع بهم ذلك العمى والصمم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج - قال تعالى : وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 ) [ النمل : 85 ] وعلى هذا القول تكون الأحوال الخمسة مقدرة : أعني قوله في « طه » : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) [ طه : 124 ] ، وقوله فيها : لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى ، وقوله في « الإسراء : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ، وأظهرها عندي الأول : واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) [ 126 ] من النسيان بمعنى الترك عمدا كما قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( 115 ) [ طه : 115 ] . قوله تعالى : وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ [ 127 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه يجازي المسرفين ذلك الجزاء المذكور . وقد دلّ مسلك الإيماء والتنبيه على أن ذلك الجزاء لعلة إسرافهم على أنفسهم في الطغيان والمعاصي ، وبيّن في غير هذا الموضع أن جزاء الإسراف النار ، وذلك في قوله تعالى : وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) [ غافر : 43 ] وبيّن في موضع آخر : أنّ محلّ ذلك إذا لم ينيبوا إلى اللّه ويتوبوا إليه ، وذلك في قوله : * قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى قوله : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ [ الزمر : 53 - 54 ] الآية . قوله تعالى : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 ) [ 127 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ عذاب الآخرة أشدّ وأبقى ؛ أي أشدّ ألما وأدوم من عذاب الدنيا ، ومن المعيشة الضنك التي هي عذاب القبر . وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 34 ) [ الرعد :